في قلب القلب من دمشق القديمة.. لماذا سمي "العمارة"؟ لاشك أنه كان مع بداية العمران في ذلك الأوان لأنه قريب جداً من المسجد الأموي، ومن ذلك الحي الذي أزاله المستعمرون من الوجود وهو (سيدي عامود). حي العمارة بأجزائه الثلاثة ظل يتردد في الأذهان كما في الوجدان لسنين طويلة، وربما لقرون. وفيه سر لم يعد موجوداً.. وهو سر (الباب).. الذي تتفرع منه الأزقة والحارات. والأبواب لم تعد موجودة منذ أكثر من نصف قرن، وإنما ظلت أسماؤها: باب البريد، باب المصلى، باب الجابية، باب شرقي، باب توما، الخ... ها نحن نجتاز سوق الحميدية كله بتفرعاته نحو سوق (الأروام) وسوق (العصرونية) و(زقاق المحكمة) حتى نصل الى مفترق جديد يؤدي واحد منه الى سوق (النسوان)، والثاني الى سوق (القيشاني)، ومنه الى سوق (الحرير)، هذا الى اليمين. أما الى الشمال فهناك باب (البريد) الذي يوصلنا الى حي العمارة. أما المشهد الرائع الذي لا ينسى فهو الجامع الأموي الكبير بمشرفيته ومآذنه، وسطوع أنواره التي لا تنطفئ حتى قبل أن تصل اليها الكهرباء.. تحنو هذه الأنوار على سوق صغير أو (جادة) اسمها (المسكية) تزخر بالكتب ونفائس المخطوطات، وربما ببعض التحف واللوحات. لن ندخل من باب (البريد) الى العمارة قبل أن نمد أعناقنا الى الجهة اليمنى من المسجد لنكتشف سوق (القباقبية)، والى جانبه سوق (البوابجية) وكلاهما ينبئ عن ابتياع القاصدين أو المصلين لما هو جديد مما يحفظ الأقدام والأجسام. ونستطيع منهما لو كنا نملك مالاً، أو نهدف الى شراء المصوغات فستؤدي بنا خطوات قليلة الى سوق (الصاغة) الذي اندثر منذ عقود بفعل حريق كبير. فلنعد إذن الى باب (البريد).. مسافة قصيرة تحف بها الدكاكين بالحلويات والأطعمة وغيرها، حتى نقف أمام (الحمّام) الرئيسي لحي العمارة، تفوح منه روائح الطيب والصابون، وتتناثر حوله غيوم صغيرة من بخار الماء كلما فتح بابه.. يقابله على بعد خطوات صرح قديم وضخم وفخم هو ما سموه مجمع اللغة العربية، تستقبلنا فيه (مصاطب) من حجر وردي نظيف قبل أن نصل الى البوابة الرئيسية.. لندخل إذن الى حي العمارة التي سنسميها (الجوانية) لأن بعدها ستأتي العمارة (البرانية)، وتمتد من أضلاع العمارة (الجوانية) أزقة ضيقة هي (زقاق النقيب)، و(بين السورين) تنتعش بهما مضخة بماء الفيجة من المعدن يرتاح لها العابرون فيغسلون وجوههم، أو يمسكون بـ (طاسة) مثبتة بسلسلة ليشربوا ثم ينصرفوا. ولعل هذا الماء من الصدقات الجارية، أو من المحسنين، أو من سكان الحي أنفسهم.. وما أعذب هذا الماء عندما يعبأ في الأباريق الفخارية التي تحفظ البرودة إذا وضعت في تيار الهواء. لكن الصغار يجلبون الماء بسطول صغيرة من القصدير حتى لا تتحطم أوانيهم، وينالوا العقاب من أهاليهم. وهل تشفع لهم حفيدة الرسول (ص) (ستي رقية) التي ترقد في هذا المقام الصغير الذي تقصده نساء الحي للصلاة أو الأذكار أو إقامة الموالد؟ ربما كان الاعتقاد كذلك. وبعد هذا المرقد تبدأ العمارة (البرانية) بسوق طويل يكتظ بالدكاكين، ويقف قرب منصاتها رجال الحي بلباسهم العربي، وربما بعباءاتهم المقصبة السوداء أو العسلية إذا كان الوقت في الصباح أو عند المساء.. يتداولون الأحاديث، ويسرد بعضهم لبعض ما سمع من قصص وأخبار وخاصة عن الفرنسيين الذين احتلوا دمشق، ودمروا كثيراً من أحيائها الجميلة.. وهذا في النصف الثاني من ثلاثينات القرن الماضي. ومع كل هذا الضغط الاستعماري، تتفتح القصص التي أصبحوا يروونها عن المستعمر وخاصة تلك القصة الشهيرة عندما وقف الجنرال (غورو) أمام قبر صلاح الدين في حي(الكلاسة)، وهو القريب جداً من العمارة، ليقول له عبارته الشهيرة: "ها قد عدنا يا صلاح الدين". وتتفتح من خلال القصص والأحاديث إرهاصات لثورة مكتومة لن تلبث أن تتحول الى غضب، ومن ثم الى تسلح سري، ومشاورات، ومناورات تشكل البذور الطيبة للثورة السورية من دمشق. وإذ ننتهي من العمارة (البرانية) ينكشف الأفق أمامنا لنقطع شارعاً عريضاً يؤدي بنا الى (المناخلية)، والى سوق (الحدادين)، حيث تصنع في الأول أنواع (القضامة) والبذور، وحيث تطرق في الثاني الأواني النحاسية بالزخارف الجميلة. ومن هذا الشارع نستطيع أن نصل الى منطقة اسمها (مسجد الأقصاب) وكأن لكل مهنة أو حرفة سوقها الخاص بها، وتلك علامة حضارية لم تعرفها أكثر العواصم العربية. ماذا أقول عن حي العمارة وقد كان عالماً قائماً بذاته؟.. فيه الدور التي تشبه القصور، وكل منها ينفتح إذا ما دق بابه الخشبي بقطعة معدن ذات رنين سحري.. ينفتح عن فناء تتوسطه (بحرة) تزغرد فيها مياه بردى فتروي أشجار النارنج والليمون، وكل ما يسحر العين من الشجر والزهر وخاصة الياسمين. إنها بيوت فائقة الجمال فسيحة ومريحة بطابقيها الأرضي والعلوي حيث تستقبل شمس الشتاء ببنائها الخشبي والطيني، وتمنح برودة الصيف في طابقها الأرضي حيث الشجر والماء والزهر والعطر. حي العمارة.. لا يمكن لي أن أنساه.. وما أرويه هنا إضاءة بسيطة ولوحة صغيرة من فسيفساء لا أبدع منها ولا أجمل. وما نسيت ولن أنسى أبدا تلك القبة الزجاجية التي تعلو (الحمّام)، وتنحني بدوائرها على السقف المرفوع فوق قسم من الحارة حيث يتدفق بردى فيما يسمونه (السبع طوالع)، وكان فيه الهدوء والسكون وحسن الطالع.. ولو أن سكانه منذ الأربعينات بدؤوا يغادرونه وفي القلوب حسرة بدل المسرة.. عند ذاك رحل أهلي.. وصمت بيت جدي إلا من مياه بردى في (السبع طوالع) التي ظلت تحكي قصة حي العمارة.. وارتحلنا الى حيث دمشق الجديدة.. لتشرق علينا شمس جديدة .
اللله حيووووووووووووو العمارة 0 سبع طواااالع .. :1 (51):
عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط